السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
78
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
وجرأتهم على شعائر اللّه ، ولهذا يقول اللّه تعالى « أُولئِكَ » الذين تلك مثالبهم « ما كانَ » ينبغي « لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها » دخولا مطلقا « إِلَّا خائِفِينَ » ربها بخشية وخضوع وإخبات ، احتراما لربها فضلا عن الجرأة على تخريبها ، وهؤلاء المتجاسرون « لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ » فظيع وذم قبيح كلما ذكروا بفعلهم المشين يتبعه سبي وضرب جزية وقتل وكل ما هو من أسباب الذل يقع عليهم في الدنيا « وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » لا تطيقه أجسامهم ، وهذا ليس بسديد أيضا ، لأن الآيات قبلها بحق اليهود ، وكذلك لا يصح نزولها بحق المشركين ، إذ لم يسبق لهم ذكر ، ولم يسبق ذكر المسجد الحرام في هذه الآيات . ومما يبعد صحة القول بأنها في حق المشركين هو أن القائل به قال إنها كانت عام الحديبية ، وحادثتها وقعت في السنة السادسة من الهجرة ، وهذه السورة من أول ما نزل في المدينة كما علمت فلا تنفق مع قوله ، وهناك قول آخر بأنها نزلت في المشركين الذين ألجئوا حضرة الرسول وأصحابه إلى الهجرة ومنعوهم بسببها من أن يذكروا اللّه في المسجد من صلاة وغيرها ، وكأنهم بذلك سعوا في خرابها ، لأنها أنشئت لإقامة الصلاة والذكر ، فإذا انقطعت عنها فكأنها خربت ، وفي هذا التأويل صرف الحقيقة إلى المجاز ، والعدول إلى خلاف الظاهر وهو وجيه ، إلا أن سياق الآية ينافيه ، وعدم سبق الذكر يبعده ، لأن هذه الحادثة في مكة ، ولم يقل أحد بمكية هذه الآية ، على أن كلا من الحوادث الثلاث صالحة لسبب النزول لو كانت منطبقة عليها ، وقد ذكرنا غير مرة أن تعدد الأسباب جائز ، أي بأن تكون آية واحدة لعدة حوادث وأسباب كثيرة ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ) ، إذ لا مانع من تعدد أسباب النزول ، ولكن الأولى أن يكون في حق اليهود خاصة ، وذلك لما حولت القبلة إلى الكعبة شق عليهم فصاروا يمنعون الناس من التوجه إليها ويحملونهم على تخريب الكعبة وسعوا في تخريب مسجد الرسول في المدينة ، فعابهم اللّه تعالى وبين سوء طريقتهم التي سلكوها في ذلك ، لأن الآيات السابقة جاء سياقها بالتشنيع على أفعالهم ، والآية الآتية كذلك ، فكونها فيهم أولى ، لأن المشركين لا بحث فيهم قبلها ولا بعدها . قال تعالى « وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ